التقدم الطبي أغفل الطبيب نفسه

التقدم الطبي أغفل الطبيب نفسه

للأسف، فإن النظام الطبي، الذي كان تقدمه كما ذكرنا سريع جدا، لا يزال مترددا في تطبيق مبادئ الاهتمام بالعامل، بالممرضة التي تعمل تحت الضغط، مع عدم القدرة على تحليل معطيات فوق مستوى معين.

نشرت من ويب طب - الأربعاء , 1 يناير 2014

التقدم الهائل في مجال الطب يمكن توضيحه من خلال قصة حياة ووفاة السيد جوزيف مايستر، الذي ولد في عام 1876. وعندما كان في سن الـ 8 عضه كلب مسعور. وهذا يعني في تلك الايام الموت المحقق. من غير الواضح كيف عرفت عائلته انه من المحتمل وجود علاج لهذا المرض لدى الكيميائي الفرنسي لويس باستير.

بعد الياس والادراك من ان الصبي سوف يموت وبعد ان فشل العلاج "التقليدي" الذي تم فيه حرق مكان العضة توجهت العائلة لباستير، الذي لم يكن طبيبا ولم يسمح له بعلاج المرضى. لقد اجرى باستير ما يسمى اليوم بلسان القانون "العلاج الرحيم" اي علاج جديد من دون الحصول على تصاريح من قبل لجنة التجارب على بني البشر، العلاج الذي ليس واضحا ما اذا كان سيفيد وحتى قد يكون مضر ولكن يعطي حبل للنجاة من الغرق.

في النهاية نجح باستير من انتاج مصل مضعف للفيروس من الارانب. ينبغي ان نتذكر انه لم تكن في ذلك الحين مضادات حيوية. لم يكن يعرف اي شيء عن انواع الدم. والتخدير بواسطة الايثر عرف فقط قبل 40 عاما. الطفل جوزيف مايستر كان الاول في التاريخ الطبي الذي انقذ من الموت بواسطة الدواء. عند بلوغه تم تشغيله في معهد باستور في باريس، وعمل في الواقع هناك كرجل صيانة. عندما دخل النازيون باريس جاءوا الى المعهد وطلبوا الدخول للتعرف على الاسرار المخزنة هناك. احدى الروايات، والتي دحضت مؤخرا، هي ان جوزيف مايستر رفض اعطائهم المفاتيح وبعد ان هددوه بالمسدس، فتح باب المعهد ثم انتحر.

مؤخرا اتضح انه في الواقع لم يستطيع تحمل الابتعاد عن عائلته التي رحلت من باريس ولذلك قام بالانتحار بواسطة استنشاق الغاز. عادت عائلته الى باريس واكتشفت المصيبة. كان عمره 64 سنة عندما توفي.

عندما ولد، كما ذكرنا، لم يكن من الممكن اجراء فحص التصوير الشعاعي (بدا الاستخدام السريري للاشعة السينية فقط في عام 1889)؛ نقل الدم لم يكن موجود لان انواع الدم وملائمة دم المتبرع للمتلقي اكتشفها لاندشتاينر فقط في عام 1912; من كان يصاب بمرض تلوثي لم يتلقى الادوية المناسبة – البنسلين ظهر فقط في نهاية الحرب العالمية الثانية والمنتج الوحيد الذي كان متاح للاطباء لمكافحة التلوث انتج في المختبرات في المانيا فقط في عام 1938 - عقاقير السلفا- Sulfonamide

تم اكتشاف سبب مرض السل فقط في عام 1882، في حين ان سبب مرض الزهري (Syphilis) لم يتم اكتشافه الا في عام 1905. الدواء، الذي عالج وايضا تسبب في اضرار، والذي يدعى "سلبرسن- Salvarsan" تم اكتشافه من قبل بول ارليخ في عام 1906; جهاز التسجيل الكهربائي لوظائف القلب، جهاز تخطيط القلب، بدا يعمل في عام 1912 في غرف العمليات. حينها كانوا يخففون الالم بواسطة الايثر والكلوروفورم وكان معدل الوفيات الناجمة عن العمليات الجراحية مرتفع جدا. بدا استخدام القفازات المطاطية لحماية الاطباء والممرضين في عام 1890 وذلك ليس لاهمية الحرص على النظافة ولكن لان رئيسة الممرضات في مستشفى جونز هوبكنز في بالتيمور عانت من مرض جلدي شديد بسبب غسل اليدين لفترة طويلة الذي كان متبع في تلك الايام. في الواقع، فان الطبيب كان يمنح المرضى الكثير من التعاطف.

بعد 60 عام من وفاة جوزيف مايستر، اي بين الاعوام 1940 و 2000 فان مجال الطب تقدم بشكل غير مسبوق. طالب الطب الذي يتخرج اليوم قد يتخلف عن ركب التقدم العلمي ان لم يتابع يوميا ما ينشر في الادبيات الطبية والمؤلفات العلمية، ومن الممكن ان هذه المهمة تفوق قدرة الطبيب الفعال. العمليات الجراحية التي كانت مقبولة قبل حوالي عشر سنوات اكتشف انها غير ضرورية بتاتا - جراحة بسبب نزيف القرحة يتم علاجها الان بواسطة المضادات الحيوية. ازالة الحصى من المثانة دون عملية جراحية او بواسطة استخدام امواج الصدى او امواج الصوت.

من لم يحظى بتقدم في المجال الطبي طوال هذه السنوات هم العاملون في هذا المجال، اولئك الذين يحتاجون للحاق بسرعة بركب التقدم مع عدم قدرتهم على ذلك؛ حاجتهم للنوم وراحة الطاقم الطبي، الاستبدال العاجل لكل من يقوم بعمل طبي متواتر.

طوال كل هذه السنوات، منذ اكتشاف امكانية علاج الطفل الذي تعرض للعض وحتى الامكانيات المتاحة اليوم للطبيب، كان هناك ايضا تطور اسرع بكثير - نظريا وتكنولوجيا – في قدرة العلم على قتل الناس. في زمن باستير كان هناك بالفعل بنادق ومسدسات ومدافع ولكن قوتها كانت قليلة ومداها محدود. في اقل من قرن من الزمان وضع الباحثون والعلماء بيد السياسيين قنبلة فتاكة التي يمكن ان تقتل بلحظة واحدة عدد يفوق بكثير عدد الناس الذي تمكن الطب من انقاذهم خلال هذه سنوات.

انظمة قتل البشر نجحت ايضا في دمج العلوم السلوكية وانتبهوا لمحدودية القدرة البشرية، للاحتياجات الخاصة للمقاتلين (الملابس المناسبة، ملائمة معدات القتال لقدرة المحارب، وسائل للحماية من الشظايا، وسائل للرؤية الليلية، الغذاء الملائم، تغير منتظم لمشغلات اجهزة الرادار، الخ) . كل هذه التطورات لم تصل الى بوابات العيادات والمستشفيات.

وللاسف، فان النظام الطبي، الذي كان تقدمه كما ذكرنا سريع جدا، لا يزال مترددا في تطبيق مبادئ الاهتمام بالعامل، بالممرضة التي تعمل تحت الضغط، مع عدم القدرة على تحليل معطيات فوق مستوى معين. العديد من الدراسات تطرقت الى العلاقة بين العامل والالة، بين شاشة الكمبيوتر والشخص الجالس امامها. مثل هذه الدراسات غير موجودة في الادبيات الطبية.

الباحثون (الذي يجب عليهم النشر) يركزون وبحق على ال"جوهر": مبنى الخلية، دواء جديد (الذي يمكن ان يدر الكثير من المال على المخترع) وكل ما من شانه ان يحقق الفوز بجائزة. القليلون كرسوا الوقت للتفكير في القضايا التي بدت هامشية. الا انه في الاونة الاخيرة، وبسبب وباء الحوادث الطبية، بدئوا الاهتمام ايضا في النظم غير المعدة للقتل والتدمير، باهمية قيمة من كان مهمل حتى الان: الانسان المعالج.

في نظم تطوير الاسلحة والنظم العسكرية يتم توظيف مهندسين متخصصين في الهندسة البشرية، سلامة وتحسين النظم لاغراض ملاءمتها للمشغل. الشركات التي تصنع الهواتف النقالة واجهزة الكمبيوتر لا تسوقها الا بعد ان تفحص ملاءمة المنتجات، ولكن في عدد قليل من المستشفيات في العالم يمكن العثور على شخص متخصص في الهندسة البشرية الذي يعمل بوظيفة كاملة، والذي يكون مسئول عن ملاءمة مكان العمل وادوات العمل للقدرات البشرية.

اهلا بك في TebDoctor

هذا القسم (TebDoctor) مهني والمحتوى المعروض به مخصص للاطباء فقط
الرجاء اختيار المناسب لك من التالي

×
facebook pixel